تسجيل الدخول

تنبيه من الخبراء : منصات التواصل تستهلك عقولنا عبر (دماغ الفشار)

منوعات
manar1 يونيو 2026آخر تحديث : منذ 9 ساعات
تنبيه من الخبراء : منصات التواصل تستهلك عقولنا عبر (دماغ الفشار)

في خضم الثورة الرقمية المتسارعة التي نعيشها، اليوم، لم تعد التحديات التقنية تقتصر على معارك حماية البيانات أو صد الهجمات السيبرانية التقليدية، بل امتدت لتشمل تحدياً أكثر خطورة وعمقاً يتمثل في حماية العقل البشري ذاته من الاستنزاف الرقمي المستمر.
فمع تصاعد هذا النفوذ التكنولوجي، برز مصطلح “دماغ الفشار” كأحد التهديدات الحديثة التي تحوّل منصات التواصل الاجتماعي من أدوات ترفيهية إلى أسلحة خفية تستهدف الوعي الإنساني وتستنزف قدرته على التفكير الواعي.
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، إن القضية الأكثر خطورة التي تواجه المجتمعات الحديثة لا تكمن في البرمجيات الخبيثة أو اختراق الأنظمة فحسب، بل في ذلك التأثير السلوكي الخفي الذي يمارسه العالم الرقمي على قدرة الإنسان على التفكير العميق واتخاذ القرار.
أسير الشاشة
كما أوضح في تصريحات للعربية.نت/الحدث.نت، أن منصات التواصل اليوم باتت تعتمد على منظومة متكاملة من الأدوات والخوارزميات المصممة خصيصاً لإبقاء المستخدم أسير الشاشة لأطول فترة ممكنة، وفي مقدمة هذه الأدوات تأتي تقنية “التمرير اللانهائي” التي تضمن تدفقاً متواصلاً للمحتوى دون نقاط توقف طبيعية تنبّه المستخدم للوقت المهدر أو تدفعه للمراجعة.
وأشار إلى أن هذه التقنية، التي صُممت ظاهرياً لتحسين تجربة المستخدم وتسهيل الوصول للمعلومة، تحولت مع الوقت إلى المحرك الأساسي لما يُعرف بـ “اقتصاد الانتباه”، وهو النموذج الاستثماري الذي تتنافس فيه الحيتان الرقمية على خطف عقول المستخدمين وتحويل انتباههم إلى أرباح وإيرادات إعلانية هائلة.
إلى ذلك، أضاف أن الخطورة الحقيقية تكمن في هندسة هذه البيئات الرقمية لاستغلال الثغرات النفسية للبشر، فمع كل تمريرة جديدة، يترقب العقل ضخ شحنة من الدوبامين عبر محتوى مثير أو مفاجئ، ومع تكرار هذه الدورة لساعات طوال، وقعت المجتمعات في فخ “التمرير القهري” الذي ينخرط فيه المستخدم دون إدراك حقيقي لحجم الوقت المستهلك أو التأثيرات الناتجة عنه. وقال إن هذا الإدمان السلوكي أدى، إلى ولادة ظاهرة “دماغ الفشار” أو “Popcorn Brain”، وهي حالة ذهنية يعتاد فيها الدماغ على التدفق السريع والمستمر للمعلومات والمحفزات، تماماً مثل حبات الفشار المتطايرة، مما يجعله أقل قدرة على التركيز لفترات طويلة، وأكثر ميلاً للانتقال السريع والسطحي بين الأفكار والمهام.
وتابع قائلاً: “وللأسف، فإن انعكاسات هذه الظاهرة لا تتوقف عند حدود التشتت الذهني، بل تمتد لتسبب تراجع مهارات التعلم العميق، وارتفاع مستويات القلق والتوتر، فضلاً عن تدهور الإنتاجية المهنية والتحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية.
من جانبه، دق اللواء خالد حمدي، مساعد وزير الداخلية المصري لقطاع الإعلام والعلاقات الأسبق، ناقوس الخطر بشأن الفئات الأكثر هشاشة أمام هذا الطوفان الرقمي. وأكد للعربية.نت/الحدث.نت أن الخطر يتضاعف عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة للتأثيرات النفسية والسلوكية؛ نظراً لأن عقولهم لا تزال في طور النمو، والتعرض المستمر لهذا التدفق الرقمي السريع يحرمهم من تطوير مهارات الصبر، والانضباط الذاتي، والتفاعل الاجتماعي الطبيعي.
الأمن السيبراني في العصر الحديث
من هنا، شدد حمدي على أن مفهوم الأمن السيبراني في العصر الحديث يجب أن يتجاوز الإطار التقليدي المرتبط بحماية الأنظمة والشبكات، ليمتد إلى حماية الإنسان نفسه من المخاطر الرقمية غير المرئية، فالأمن الرقمي لم يعد قضية تقنية بحتة، بل أضحى قضية مجتمعية وصحية وتربوية تستوجب تكاتف الجهود بين الحكومات، والمؤسسات التعليمية، والأسر، وشركات التكنولوجيا.
كما أشار إلى أن المسؤولية لا تقع على عاتق المستخدم وحده، بل تمتد إلى شركات التكنولوجيا العملاقة التي تمتلك القدرة على تصميم منصات أكثر توازنًا وإنسانية تراعي الصحة النفسية للمجتمعات بدلاً من الالتفات الفج لمؤشرات التفاعل والأرباح، مؤكداً أن التقدم التقني يفقد قيمته الحضارية عندما يتحول إلى أداة لتبديد الانتباه وتدمير جودة الحياة.
واختتم المسؤول الأمني رؤيته بالقول إنه في ظل الطفرة المتسارعة للذكاء الاصطناعي والخوارزميات الذكية، تصبح الحوكمة الرشيدة والوعي الرقمي ضرورة ملحة وليست خياراً، فالمعركة الحقيقية في المستقبل لن تكون على البيانات أو الأجهزة، بل ستكون على عقل الإنسان وانتباهه وقدرته على التفكير الحر.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.