بقلم: محمد الشوابكة
في المراحل التي سبقت قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، لم تكن فكرة الاتحاد مجرد أمنية سياسية عابرة، بل كانت هاجساً حاضراً في عقول عددٍ من رجالات الخليج الذين أدركوا مبكراً أن المستقبل لن يرحم الكيانات الصغيرة المتفرقة، وأن القوة الحقيقية لا تُبنى إلا بالتكاتف والوحدة والاستقرار.
وقد عُرفت عائلة آل مكتوم الحاكمة في دبي، عبر تاريخها، بما تمتعت به من حنكة في القيادة، وبعد نظر في إدارة شؤون الناس، وقدرة على الحفاظ على التوازن والاستقرار في أصعب الظروف التي مرت بها المنطقة. واستطاعت هذه الأسرة أن ترسّخ مكانتها في قلوب الناس من خلال قربها من المجتمع وحرصها على بناء حالة من التفاهم والثقة بين الحاكم وأهل البلاد، وهو ما جعل دبي تنمو بروحٍ قائمة على الترابط والاستقرار.
وفي تلك المرحلة، كانت دبي تعيش حالة من التقارب بين الحاكم والشعب في عهد الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، الذي عُرف بحكمته وبساطة مجلسه وقربه من الناس، وكان يحظى بمحبة كبيرة بين أهل دبي لما عُرف عنه من تواضع وحرص على رعاية شؤون المجتمع في الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها المنطقة آنذاك.
ومن هذه البيئة السياسية والاجتماعية برز الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم، أحد أبناء عائلة آل مكتوم، بوصفه شخصية حملت رؤية تتجاوز حدود زمنها، وسعت إلى طرح مشروع يقوم على التعاون والوحدة وصناعة مستقبل أكثر استقراراً للإمارات والمنطقة.
وتكشف وثيقة صحفية قديمة نُشرت في جريدة “المنار” البحرينية بتاريخ 16 صفر 1358هـ، تحت عنوان (حديث الشيخ مانع)، جانباً مهماً من تلك الرؤية السياسية المبكرة، التي تعكس وعياً لافتاً بطبيعة المرحلة وتعقيداتها.
وفي ذلك الحديث، لم يتعامل الشيخ مانع مع فكرة الاتحاد باعتبارها شعاراً عاطفياً أو خطاباً شعبوياً، بل باعتبارها مشروعاً سياسياً وإدارياً متكاملاً يحتاج إلى تنظيم وتوافق وإرادة حقيقية.
كان يرى أن الظروف التي تمر بها المنطقة — سياسياً واقتصادياً — تفرض على الإمارات البحث عن صيغة تجمعها وتحفظ استقرارها، دون أن يعني ذلك إلغاء خصوصية كل إمارة أو الانتقاص من مكانة حكامها، بل اتحاد يحفظ لكل إمارة كيانها، ويمنح الجميع قوة أكبر تحت إطار موحد.
ومن اللافت في حديثه أن رؤيته كانت عملية وناضجة بصورة كبيرة؛ إذ طرح مجموعة من الأسس التي رأى أنها ضرورية لقيام اتحاد ناجح، فدعا إلى وجود إدارة موحدة تنظم الشؤون العامة وتنسق القرارات بين الإمارات، كما رأى أهمية أن يحمل السكان جنسية واحدة تعكس الهوية المشتركة والانتماء الواحد.
وتحدث كذلك عن توحيد جوازات السفر والبريد، باعتبار أن بناء المؤسسات الموحدة يمثل خطوة أساسية نحو قيام كيان سياسي متماسك يحظى بالاحترام والاستقرار أمام العالم.
ولم تتوقف رؤيته عند الجوانب الإدارية فقط، بل امتدت إلى أهمية توحيد الأنظمة القضائية والتشريعية حتى تقوم العدالة على أسس واضحة ومتقاربة داخل الاتحاد، كما شدد على ضرورة وجود قوة أمنية موحدة تحفظ الأمن والاستقرار، لأن أي مشروع سياسي لا يمكن أن يستمر دون حماية واستقرار داخلي.
كما أشار إلى أهمية إنشاء هيئة أو مجلس يجمع الإمارات المشاركة، بحيث تكون القرارات قائمة على التشاور والتنسيق بين الحكام، في طرح يكشف عن فهم مبكر لفكرة العمل المؤسسي والشراكة السياسية.
وفي جانب آخر من حديثه، أبدى الشيخ مانع إدراكاً واضحاً بأن المشاريع الكبرى لا تقوم بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى موارد مالية وإدارية حقيقية، ولذلك تحدث عن أهمية توفير الدعم اللازم لإنجاح مشروع الاتحاد، والاستفادة من الخبرات المتوفرة آنذاك في تنظيم بعض الجوانب الإدارية والتنفيذية.
وتكشف هذه الرؤية عن عقلية سياسية ناضجة سبقت زمنها بسنوات؛ فالخليج في تلك المرحلة كان يعيش تحولات اقتصادية وسياسية معقدة، وسط تغيرات إقليمية متسارعة جعلت فكرة الاتحاد تبدو ضرورة للمستقبل أكثر من كونها خياراً سياسياً مؤقتاً.
ورغم أن مشروع الاتحاد بالشكل الذي تصوره الشيخ مانع لم يتحقق بصورة مباشرة في تلك السنوات، فإن كثيراً من الأفكار التي طُرحت في ذلك الحديث أصبحت لاحقاً جزءاً من الأسس التي قامت عليها دولة الإمارات العربية المتحدة.
ولهذا تبدو تلك الوثيقة اليوم أكثر من مجرد مقابلة صحفية قديمة؛ فهي شهادة تاريخية على أن فكرة الاتحاد لم تولد فجأة، بل سبقتها سنوات من التفكير والرؤى والطموحات التي حملها رجال آمنوا بأن الوحدة هي الطريق إلى القوة والاستقرار والبقاء.
لقد كان الشيخ مانع واحداً من الأصوات التي قرأت المستقبل مبكراً، وفهمت أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة تحتاج إلى كيان قادر على حماية مصالحها وصناعة استقرارها، ومن هنا تأتي أهمية هذا الحديث التاريخي، باعتباره جزءاً من الوعي السياسي الذي سبق ميلاد الاتحاد بسنوات طويلة.
